بصائر القلوب ودليل العقول: نحو اتزانٍ وجدانيّ وفكريّ

بقلم السيد حسين الحسيني

حين يسند القرآن الكريم “الفقاهة” إلى القلب في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾، فهو يقلب موازين الرؤية المادية – وفقا لما سيأتي وأثبته العلم الحديث ( علم الاعصاب القلبي ) – ليعلن أن القلب هو الحاكم الحقيقي ومركز الإدراك العميق. فالقلب يمثل “مقر الغاية والمبدأ الأخلاقي”، بينما العقل هو “أداة الحساب والتدبير”. وعندما يمرض القلب ويقع في أسر الهوى والغفلة، يعمى عن الحقائق، ويتحول العقل حينها إلى مجرد خادمٍ ينشط في تبرير الأخطاء وتسويغ انحرافات ذاته، مصداقاً لقول أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام): «كَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ».


ولا يعني القول بحاكمية القلب عصمته؛ إذ لكل منهما آفاته. فالعقل الحسابي يُبتلى بالغرق في التبرير والجمود الجاف الشديد، ويغرق احيانا بكثرة التحليل ويأخذ التردد منه مأخذه عند اتخاذ القرار مع كثرة الاحتمالات .
وبالمقابل، قد يصاب القلب بالغفلة والحرص، أو ينقاد وراء العاطفة الجياشة بعيداً عن الواقع. وهنا تأتي جمالية التكامل الإنساني؛ فالحاكمية الممنوحة للقلب إنما هي لـ “القلب السليم” الذي يحدد بوصلة تحقيق ” الغاية وألمبدأ”، تاركاً للعقل الإجابة عن “كيفية وآلية ألتنفيذ؟”.
إن أبحاث علوم الأعصاب الحديثة تؤكد هذه الحاكمية، موضحة أن الإشارات العصبية الصاعدة من القلب نحو القشرة الجبهية في الدماغ تملك القدرة على ضبط إيقاع التفكير وتهدئة تحايل العقل عندما يتشبع القلب باليقين والسكينة.


وعليه، فإن استقامة القلب هي شرط صلاح حركة الإنسان؛ فمتى ما زكُا القلب، استعاد قيادته الرشيدة ليسترشد ببيانات العقل، وفي الوقت ذاته يُسدد مسار هذا العقل بنوره ويحميه من الانحراف في خدمة الهوى، تحقيقاً للحديث النبوي الشريف: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ».

وبعبارة موجزة:
لا تعني حاكمية القلب إلغاء العقل أو التقليل من شأنه، بل تعني وضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فالقلب يُمسك بزمام القيادة والمبدأ والغاية، بينما يتولى العقل شرف التخطيط والتطبيق والتنفيذ. وحين يتهذب القلب ببيانات العقل المنطقية، ويسترشد العقل بنور القلب السليم، يتجلى الاتزان الإنساني الكامل بين بصر الحكمة ودقة التدبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى